من تزفيتاييفا إلى ريلكه:
سان – جيل – سير – في، 2 أغسطس 1926
راينر، استقبلت رسالتك يوم ميلادي، لأنني أحمل اسم شفيع بدوري، على الرغم من كوني أعتقد بأنني المولود الأول الذي يحمل هذا الاسم، وأنت بالنسبة إلى اسمك. القديس المسمى راينر له اسم آخر من دون شك. أنت راينر وحدك. في عيدي تلقيت أجمل هدية: رسالتك. مفاجئة دومًا، كما في كل مرة، لن أعتاد أبدًا عليك (ولا على نفسي بالمقابل)، ولا على المفاجئة، ولا على التفكير بك. أنت من سأحلم به الليلة، وأنت من “سيحلمني” هذه الليلة (أن تحلم أو أن تكون موضوع حلم؟). أنا مجهولة في حلم واحد ىخر. أنا لا أنتظرك ابدًا، بل أوقظك دومًا.
عندما يحلم بنا واحد آخر – نلتقي.
راينر، إذا كنت أطمع في الذهاب إليك، فذلك بسبب من أناي الجديدةن التي لن تولد إلا معك، إلا فيك. وعليه، راينر (راينر: لازمة رسالتي هذه)، سامحني، “أنا” السيئة، أريد ان أنام معك – أن انام، ومعك. كم هي صحيحة وعميقة، من دون لبس، هذه العبارة الشعبية، وكم تصيب ما تريد قوله. أن أنام وحسب. لا أكثر من هذا. بل أكثر من ذلك: أن أخفي رأسي في كتفك الأيسر، أن أمرر ذراعي على كتفك الأيمن – لا أكثر من هذا. بل أكثر من ذلك: أن أعرف، في عميق نومي، أنه أنت. وهذا أيضًا: كيف يخفق قلبك، وأن أقبل قلبك.
أحيانًا، أقول لنفسي: عليك أن تستغلي الصدفة التي تجعل منك حتى اليوم (ومع ذلك!) جسدًا. فبعد وقت لن يكون لي ساعد. وهذا أيضًا: سيكون (لهذا الكلام) وقع اعتراف (ما الاعتراف: التباهي بسواده كله! من يقوى على الكلام عن عذاباته من دون حماسة، أي بسعادة؟!) – يجب، إذن، أن لا يأتي الكلام في صيغة اعتراف: الأجساد تضجر مع. تنتبه إلى أمر ما، ولا تصدقني (أي جسدي)، على الرغم من أنني أعمل مثل غيري. أأنا مترفعة للغاية… ربما، أأنا متسامحة… للغاية. لعلي واثقة كثيرًا. مع ذلك، الأناس (المتوحشون)، غير العالمين بالاستعمالات والقوانين، هم الواثقون. أما أناس “هنا” فلا يولون ثقتهم لأحد. هذا له لا محل له في الحب، فالحب لا يستمع ولا يشعر إلا بنفسه، في كيفية موضعية ودقيقة، و”هذا” لا أقوى على تزويره (…).
(…)
الحب يكره الشاعر. الحب لا يحب التمجيد (فهو ممجد في حاله، وبما فيه الكفاية)، وهو يرى إلى نفسه مثل مطلق، الوحيد. هو لا يثق بنا. هو يعرف، في عميق ذاته، أنه ليس رائعًا (وفي هذا مبعث سطوته)، ويعرف كذلك أن كل تمجيد هو في حد ذاته – روح، وأنه حيث يبدأ الروح، ينتهي الجسد. غير خالصة، يا راينر، الغيرة الأكيدة. مثل غيرة الروح إزاء الجسد. غير أنني غيورة من الجسد دومًا: بعد أن أغدقنا عليه مثل هذه الأناشيد! الفصل الصغير بين باولو وفرانشيسكا. – يالدانتي الفقير! من يذهب به التفكير بعد إلى دانتي وبياتريس؟ وأنا غيورة من المهزلة الإنسانية. لا أحد يحب الروح مثل الجسد، وفي أفضل الأحوال: يبجلونه. ونحب الجسد أكثر من أرواحه التي تعد بالآلاف. من لحقت به اللعنة بسبب روحه؟ وهل طلب أحد هذا -أبدًا: عشق روح حتى حصول اللعنة – هذا يعني أننا أصبحنا ملائكة. ونحن محرومون من الجحيم كله.
لماذا أقول لك هذا كله؟ لعله القلق من أن ترى إليّ مثل رغبة اعتيادية (رغبة – عبودية). “أحبك وأريد أن أنام معك” هذا الاقتضاب الشديد غير مسموح به في الصداقة. إلا أنني أقولها (هذه الجملة) بصوت مغاير، تقريبًا في نومي، في صورة ثابتة في نومي ولي رنين غير رنين الرغبة. ولو أنك أخذتني باتجاهك لوقعت “على الأماكن الخالية”. وكل ما لا ينام يبغي دومًا استدراك نومه بين يديك. حتى منتهى الروح (الحلق) – هكذا تكون قبلتي. (ليس حريقة: بل هوة).
“لا أدافع عن دعواي، أدافع عن دعوى أشد القبلات إطلاقًا.”
(…)
راينر، يحل المساء، أحبك: قطار يزعق. القطارات ذئاب، الذئاب روسيا. إنه ليس بقطار. إنها الروسيا تزعق في وجهك. لا تغضب مني سواء أكنت غاضبًا أم لا، فسأنام معك، ثغرة في الظلمة، بسبب وجود النجوم، أغلقها: النافذة. (حين أفكر بك، أفكر بنافذة، لا بسرير). وعينان مفتوحتان، لأن الظلمة في الخارج أقوى مما هي عليه في الداخل. السرير مركب، نمضي في رحلة. (…).
**
من تزفيتاييفا إلى ريلكه
سان – جيل، 14 أغسطس 1926
صديقي العزيز،
هل تلقيت رسالتي الأخيرة؟ أطرح عليك السؤال، وقد ألقيتها في قطار مقبل على الانطلاق. صندوق البريد أقلقني: ثلاثة أصابع من الغبار وقفل كبير للسجون. كانت حركتي قد انطلقت حين تنبهت إلى ذلك، وكانت يدي سريعة – ستبقى الرسالة في حال العذاب – حتى يوم الدينونة.
حدث ذلك قبل عشرة أيام. المضمون؟ الرسالة “هي” مضمون، ولا تلك مضمونًا، ولكي أكون دقيقة: كان المقصود النوم، أنا وأنت نائمان، (والسرير – طاولة محتضرة).
سرير من أجل: الإحساس بالأشياء
ورؤية العجائب،
طاولة من أجل: إنجاز ذلك
ولصنعها.
السرير: ظهر، الطاولة: مرفق، الإنسان سرير وطاولة، وهو لا يحتاجها بالتالي.
(للرسالة الأخرى وقع آخر، وكان القطار الذي … حملها واختفى بها – يزعق ويصفر في طريقة مغايرة للتي لقطار المسافرين؛ لو سمعته، لعرفت مباشرةً إن كانت الرسالة فيه بعد).
عزيزي راينر، بوريس لا يكاتبني. كتب لي في رسالته الأخيرة: كل ما لا يشير إلى إرادة في نفسي هو لك ويحمل اسمك. – والإرادة تعني زوجته وابنه، الموجودان الآن في المهجر. لما عرفت أن له “أجنبيًا” ثانيًا، كتبت له رسالتين من المهجر – لننتقل إلى موضوع آخر. لا يوجد هناك أجنبيان. أجنبي ووطن. نعم. الأجنبي، هو أنا. أنا “هو” ولا يقسامني فيه أحد.
ما أملكه في الكائن البشري، هو الجبهة وشيء من الصدر، وقلبي أهبه بيسر. لا صدري. أحتاج إلى رجع صدى. وللقلب صوت مخنوق.
راينر، اكتب لي بطاقة بريدية، كلمتين فقط: استلمت – أم لا – رسالة القطار. عندما أكتب لك رسالة طويلة.
راينر، في هذا الشتاء، علينا أن نلتقي في مكان ما في (منطقة) السافوا الفرنسية، قرب سويسرا، في مكان ما لم تذهب إليه سابقًا (ولكن هل يوجد هذا المكان؟ أشك في ذلك). في مدينة صغيرة، يا راينر. لوقت طويل، لوقت قصير، كما تشاء. أكتب هذا لك ببساطة لأنني أعرف أنك ستحبني كثيرًا، وأنني سأجلب لك كثيرًا من البهجة (للبهجة جاذبيتها عندك أيضًا).
أو في هذا الخريف، يا راينر. أو في الربيع. قل بلى، لكي أفوز منذ هذا النهار ببهجة كبيرة، وبجهة أوجه إليها أنظاري (وتقلب وجهتي؟).
**
ترجمة: شربل داغر.
من كتاب “الوصية”.
اقرأ أيضًا: